أحمد بن محمد القسطلاني

130

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

سلمت سلامًا ، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ، وعدل عن النصب إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبوت المعنى واستقراره . وإنما قال : عليك ، فعدل عن الغيبة إلى الخطاب مع أن لفظ الغيبة يقتضيه السياق لأنه اتباع لفظ الرسول بعينه حين علم الحاضرين من أصحابه وأمرهم أن يفردوه بالسلام عليه لشرفه ومزيد حقه . ( السلام ) الذي وجه إلى الأمم السالفة من الصلحاء ( علينا ) يريد به المصلي نفسه والحاضرين من الإمام والمأمومين والملائكة ( وعلى عباد الله الصالحين ) القائمين بما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد ، وهو عموم بعد خصوص . وجوّز النووي ، رحمه الله ، حذف اللام من السلام في الموضعين ، قال : والإثبات أفضل وهو الموجود في روايات الصحيحين . اه - . وتعقبه الحافظ ابن حجر بأنه : لم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود بحذف اللام ، وإنما اختلف في ذلك في حديث ابن عباس ، وهو من أفراد مسلم . ( فإنكم إذا قلتموها ) أي قوله : وعلى عباد الله الصالحين ( أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض ) جملة اعتراض بين قوله : الصالحين وتاليها الآتي ، فائدة الإتيان بها الاهتمام بها لكونه أنكر عليهم عدّ الملائكة واحدًا واحدًا ، ولا يمكن استيفاؤهم . وفيه أن الجمع المحلى بالألف واللام للعموم ، وأن له صيغًا ، وهذه منها . قال ابن دقيق العيد : وهو مقطوع به عندنا في لسان العرب ، وتصرفات ألفاظ الكتاب والسُّنّة . اه‍ وفيه خلاف عند أهل الأصول . ( أشهد أن لا إله إلاّ الله ) زاد ابن أبي شيبة : وحده لا شريك له . وسنده ضعيف ، لكن ثبتت هذه الزيادة في حديث أبي موسى عند مسلم ، وفي حديث عائشة الموقوف في الموطأ ( وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ) بالإضافة إلى الضمير . وفي حديث ابن عباس عند مسلم وأصحاب السُّنن : وأشهد أن محمدًا رسول الله بالإضافة إلى الظاهر وهو الذي رجّحه الشيخان الرافعي والنووي ، وأن الإضافة للضمير لا تكفي . لكن المختار أنه يجوز : ورسوله . لما ثبت في مسلم ، رواه البخاري هنا . وحديث التشهد روي عن جماعة من الصحابة منهم : ابن مسعود رضي الله عنه ، رواه المؤلّف والباقون ، ولفظ مسلم : علمني رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - التشهد ، كفى بين كفيه ، كما يعلمنا السورة من القرآن ، فقال : " إذا قعد أحدكم فليقل : إلخ . وزاد في غير الترمذي وابن ماجة : " وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فيدعو به " ، واختاره أبو حنيفة وأحمد والجمهور لأنه أصح ما في الباب ، واتفق عليه الشيخان قال النووي : إنه أشدها صحة باتفاق المحدثين ، وروي من نيف وعشرين طريقًا وثبتت فيه الواو بين الجملتين ، وهي تقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه ، فتكون كل جملة ثناء مستقلاً بخلاف غيرها من الروايات ، فإنها ساقطة وسقوطها يصيرها صفة لما قبلها ، ولأن السلام فيه معرّف وفي غيره منكر ، والمعرّف أعمّ . ومنهم ابن عباس عند الجماعة إلا البخاري ولفظه : كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن ، وكان يقول : " التحيات المباركات ، الصلوات الطيبات لله . السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله " . واختاره الإمام الشافعي ، رحمه الله ، لزيادة لفظ : المباركات فيه . وهي موافقة لقوله تعالى : { تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً } [ النور : 61 ] . وأجيب : بأن الزيادة مختلف فيها ، وحديث ابن مسعود متفق عليه . ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، رواه الطحاوي عن عبد الرحمن بن عبد القاري ، أنه سمع عمر بن الخطاب يعلم الناس التشهد على المنبر ، وهو يقول : " التحيات لله ، الزاكيات لله ، الطيبات لله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله " . واختاره ابن مالك . لأنه علمه الناس على المنبر ولم ينازعه أحد ، فدلّ على تفضيله وتعقب بأنه موقوف ، فلا يلحق بالمرفوع . وأجيب بأن ابن مردويه رواه في كتاب التشهد مرفوعًا . ومنهم ابن عمر ، عند أبي داود والطبراني في الكبير . ومنهم عائشة عند البيهقي . ومنهم جابر بن عبد الله عند النسائي ، وابن ماجة ، والترمذي في العلل ، ولفظه كان